تابعنا على ...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
Register

صحيفة كيف نيوز

+ الرد على الموضوع
صفحة 4 من 4 الأولىالأولى ... 234
النتائج 31 إلى 33 من 33
  1. #31
    ثلاث نجمات (طرطع) من عائلة نصب
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    الدولة
    دلخلخ لوكيشين قسم الساينس فيكشن
    المشاركات
    1,969
    معدل تقييم المستوى
    230
    Array

    رد الشبهات حول خبر السماوات

    بقلم: حسن بن يوسف شهاب الدين

    عِندَمَا يَقرَأُ المُتَأَمِّل في كِتَابِ الله تَعَالَى يَجِدُ أَنَّ السَّمَاء تَأتي مَرَّةً بِمَعنَى سَمَاء الكَون, وأُخرى بِمَعنَى الغِلاف الجَوّي المُحيط بالأرض, لهذا أمرنَا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عِنْدَ قِرَاءةِ القُرآنِ الكَريم بالتفَكرِ والتَعقلِ والتَدبرِ, وبالتالي يَجِبُ رَبط الآيات بِبَعضِهَا لِلوصُولِ إلى المَعنَى الصحيح, ومِنه قَولُ الله تَعَالَى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [ سورة محمد:{24}].

    ولأنَّ من وَضَعَ الشبهات حول موضوع السماوات لم يتفكر وكان هَمه الوصول لثغرة في كتابٍ لا يأتيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه, هذا الكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى عربياً فيه من الأسرار البلاغية ما أذهل علماء اللغة وأهل الفصاحة والبيان, قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [سورة يوسف:{2}]. وما وضعت هذه الشبهة إلاَّ لأنَّ صاحبها لا يعرف كثيراً من أصول اللغة, فحقه علينا الإجابة وبيان ما أشكل عليه.


    السؤال:

    قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {29}﴾, وهنا نرى أن الله خلق ما في الأرض جميعاً.. و كلمة جميعاً تعنى أن الله خلق الأشجار والبحار والأنهار والجبال وكل ما في الأرض جميعاً...... ثم استوى إلى السماء وسواها... ولكنة يقول في سورة النازعات: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا{27} رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا {28} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا {29} وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا {30} أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا {31} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا {32} مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {33}﴾, ومن الآيات هنا نعرف أن الله سوى السماء أولاً وأصبح هناك ليل وضحى ثم بعد ذلك دحا الأرض وخلق الماء والمرعى من الأرض وأرسى الجبال.... وهذا يناقض ما جاء في (سورة البقرة 29) التي تقول أن الله سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ((( جَمِيعاً)))﴾ أي بما فيها من ماء ومرعى وجبال قبل خلق السماء, ونجد في سورة فصلت: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ{9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ {10} ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ{11} فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىَ فِي كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾, فهنا الله خلق الأرض أولاً ووضع فيها الرواسي ثم سوى السماء.. بينما في النازعات يقول أن الله سوى السماء أولا ثم جعل الرواسي في الأرض حيث قال: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا). السؤال هنا: هل الله خلق كل ما في الأرض جميعا من ماء ومرعى وجبال ثم سوى السماء بحسب ( سورة البقرة 29 ) أم أن الله سوى السماء أولا ثم خلق ما في الأرض من ماء ومرعى وجبال بحسب ( سورة النازعات 27- 31)؟, إن الماء والمرعى والجبال هل هي أشياء في الأرض أم لا؟

    الجواب:

    السماء: كل ما علاك فأظلك, ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر لنزوله من السماء. ومنه قول الشاعر:

    إذا سقط السماء بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا

    والسماء في القرآن الكريم على حد علمنا لها معنيين هما: سماء الكون, وسماء الأرض (السماء الدنيا) المؤلفة من طبقات.

    سماء الكون:

    قال الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [سورة الأنبياء:{30}].

    هذه بداية خلق الكون الذي علمت في هذا القرن بنظرية الانفجار الأعظم, حيث بدأت قصة الخلق بقول من الله سبحانه وتعالى: (كن), فكان وتطور حتى وصل إلى الشكل الذي نراه اليوم, وهذا الكون الممكن الإدراك ليس أزلياً ولا يتجاوز عمره: 13.7 (10-14) بليون سنة وكان قبله عدم, لقول الله تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [سورة النحل:{3}].

    وأصل الخلق: التقدير المستقيم، ويُستعمل في إبداع الشيء من غير أصل (من العدم).

    حيث كان الكون في اللحظات الأولى سديم ذو كثافة عالية جداً وكتلة كبيرة وحجم صغير, ونستطيع أن نلاحظ أن السماوات والأرض كانت شيئاً واحداً قبل الفتق, وهذا يعني أن الأرض لم تكن كياناً مستقلاً بذاتها لأنها كانت قبل الفتق ملتحمة مع السماء, وبعد الفتق كانت كما أراد الله لها أن تكون.

    وبعد هذا الانفجار العظيم (الفتق) أصبح الكون يتوسع بتقدير من خالقه سبحانه وتعالى الذي عبر عنه بلفظ السماء فقال سبحانه: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [سورة الذاريات: {47}]. وهذا ما يدل عليه علماء الفيزياء من نظرية توسع الكون, وما نحن الآن إلا في أحضان هذه السماء التي تتوسع لتصل إلى كثافة حرجة تجعلها تنطوي لتعود كما كانت بأمر الله تعالى, وهذا ما يعبر عن نهاية الكون, لأن لكل مخلوق أجل ونهاية, وكذلك السماء الكونية تنتهي وفق نظرية يسميها العلماء (الانسحاق العظيم), فقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [سورة الأنبياء:{104}].

    هذه هي سماء الكون من البداية إلى النهاية كما أخبرنا عنها كتاب الله تعالى الذي لا تنقضي عجائبه, وأكد هذه المعلومات أهل النهى وعلم الفيزياء وأصحابه.

    ومنه فسماء الكون خلقت قبل أن تكون الأرض كياناً مستقلاً.














    الشكل التالي يوضح نشأة الكون من العدم


    أما سماء الأرض (الغلاف الغازي): هي انبعاث دخاني من الأرض الأولية الملتهبة تَمَيَّزَ مع الوقت إلى طبقات فوقنا لكل منها وظيفة محددة, وثبت بالعلم أن الأرض كانت شبه متجانسة بلا ملامح وبأمر من الله تعالى ومع الحرارة والتوازن نزل الحديد إلى اللب لتوازنها وتزيد من جاذبيتها, وخرجت المواد الأخف ليكون السطح قطعاً تميد, فأرساها الله تعالى بالجبال تحت حجب الدخان وأبخرة الماء تمهيداً لخلافة الإنسان مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًَ ﴾ [سورة البقرة:{30}]. ونشأت حيوانات الرعي فأخرج من الأرض الماء والمراعي, وهذا الوصف هو نفس المضمون في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ ﴾ [سورة النازعات]!.

    وجاء التعبير عن سماء الأرض (الغلاف الغازي) مرة بلفظ السماء وإضافة (الدنيا) إليها, ومرة بدون إضافتها عندما يُعْرَف من خلال القراءة أن السماء المقصودة هي السماء الدنيا (الغلاف الغازي), ومنه قول الله تعالى: ﴿ إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾.[سورة الصافات:{6}]. فربما يقول قائل: أن الكواكب موجودة خارج الغلاف الغازي للأرض, فكيف زينت هذه السماء بالكواكب؟. والجواب: أنه لولا هذا الغلاف الغازي الذي يعمل كمرشح نستطيع من خلاله رؤية الكواكب, لما رأينا إلا ظلاماً حالكاً وهذا ما أكده رواد الفضاء عند خروجهم من الغلاف الجوي, وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [سورة الحجر:{14-15}].:














    صورة للسماء وهي مزينة بالكواكب


    وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [ الأنبياء:{32}]. يحفظ الأرض من النيازك والشهب التي ترد من خارج الأرض وغلافها الغازي الذي يشكل (درعاً واقياً لها), ويحفظ ما في داخلها لقوله عزَّ وجَلّ: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ [ سورة الطارق:{11}].

    أما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة فُصِّلَت {9-12}].

    وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [سورة البقرة: {29}].

    يظهر من الآيات السابقة أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الأرض قبل السماء، لأنَّ السماء المقصودة هنا هي الغلاف الغازي المحيط بالأرض الذي تشكل من دخان الأرض نفسها.

    أما في قول الله تعالى في سورة النازعات: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:27-33].

    فالسماء المقصودة هي سماء الكون التي خلقها قبل أن تكون الأرض كياناً مستقلاً بذاته.



    خلق الكون في ستة أيام

    أكد القرآن الكريم في أكثر من آية من آياته الجلية أنَّ خَلْقَ العالم قد تمَّ (فِي سِتّةِ أَيّامٍ) في عملية واحدة متصلة ذات مراحل كما لو كان بناءً واحداً تتابع تشييد خطة تصميمه المقدرة منذ البدء, وإذا اعتمدنا نفس التمثيل واعتبرنا عمر الكون حتى الاكتمال ستة أيام يكون نصيب الأرض وحدها منذ تشكلها مع المجرة إلى الاكتمال أربعة أيام, وإذا تميزت الأرض كجرم مستقل في يومين لا يبقى للجو إلا يومين مع تشكل السطح الصخري ونشأة الحياة, وهو نفس التمثيل في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت{9-10}], وإذا كانت النشأة الحقيقية للأرض كنظام حركي ترجع إلى حوالي 8.4 بليون سنة قبل أن تعمر بالنبات الذي بدأ يطلق أكسجين الجو منذ حوالي 0.25 بليون سنة علامة على تكامل البناء, يكون عمر الكون الفعلي في التمثيل بنفس القيمة المعروفة الآن: 12.5 (10-15) بليون سنة.




    انظر إلى اللون الأحمر الذي يدل على نشأة سماء الكون, ومن ثم انظر إلى اللون الأزرق الغامق, الذي يدل على نشأة سماء الأرض (الغلاف الغازي), وهذا دليل علمي على صدق القرآن الكريم وأنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    وحقيقة خلق الكون وبناءه وفق ترتيب مذهل يظهر واضحاً وجلياً في قول الله تعالى: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:27-33]. لأنَّّ التعبير ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ يوافق ما أكده العلماء من توسع الكون في البدء, وهو مصداق قول الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [سورة الذاريات:{47}]. والفعل: ﴿ بَنَاهَا ﴾ أتى بصيغة الماضي ليعبر تعبيراً تصويرياً عن اكتمال خلق الكون, ويقصر التوسع على فترة البناء, لأن الخلق غير البناء, فالخلق إبداع الشيء من العدم, والبناء يتم بعد الخلق, وكأنَّه تمثيل ببناء بيت في أيام متتابعة ذات مراحل متوالية مقدرة منذ البدء, والضمير في ﴿ لَيْلَهَا ﴾ يعود على السماء ليدل على ظلمتها الحالكة فوق الغلاف الغازي للأرض تشبيهاً بالليل, والفعل ﴿ أَغْطَشَ ﴾ جاء ليؤكد حلكة السماء مع التوسع واضمحلال تركيز طاقة مادة البناء, لتحول الطاقة إلى مادة, وفق قانون التحويل: (الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء), والتعبير﴿ أَخْرَجَ ضُحَاهاَ﴾ تمثيل للسطوع التدريجي للشمس فترة الضحى, أما في قوله سبحانه: ﴿ وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ فهو يناظر علمياً فترة التسطيح في تاريخ الأرض ويتفق مع المعلوم حالياً أن عمر سطحها لا يكاد يبغ 4.5 بليون سنة, لأنَّ الدحو من التسطيح, وأجمع علماء المسلمين وأهل التفسير أنَّ من معاني (دحو الأرض) بسطها وتسطيحها وإخراج الماء والمراعي من داخلها على هيئة بخار ماء خرج من باطن الأرض عبر البراكين والذي نزل بدوره على شكل أمطار تشكلت منها المياه الجوفية وتفجرت الينابيع والأنهار, فأنبت منها النبات, وفي هذا سبق علمي للسلف الصالح (رضوان الله عليهم أجمعين). أما التعبير﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ إنَّ (بعد) تفيد الترتيب والتعاقب, وحرف اللام في (ذلك) تفيد البعد, فهو قرينة قاطعة تدل على حقيقة ترتيب أحداث نشأة الكون التي أقرَّها القرآن الكريم وأخبرنا عنها في زمن لم يكن العلم يعرفها, وجاء اليوم العلم ليؤكدها لأنها توافق أوثق معطياته, فيزداد الذين آمنوا إيماناً, وليعلم أهل الشبهات أنه كتاب الله تعالى, فإن تابوا فلهم أجرهم, وإن أصروا على استكبارهم فعليهم وزرهم.

    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    هذا والله أعلم
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

    مبرووووك للعالميين ويستاهلون كل خير الف الف مبرووك

  2. #32
    ثلاث نجمات (طرطع) من عائلة نصب
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    الدولة
    دلخلخ لوكيشين قسم الساينس فيكشن
    المشاركات
    1,969
    معدل تقييم المستوى
    230
    Array

    خلق الانسان تقدير وقصد

    خلق الإنسان تقدير وقصد

    تاريخ المقال : 28/6/2010


    د. محمد دودح

    الباحث العلمي بالهيئـة العالميـة للإعجاز العلمي في القرآن والسنـة

    رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة (mdoudah@hotmail.com)

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

    ارتبط موضوع أصل الحياة والإنسان في تاريخ العلوم بالداروينية نسبة إلى دارون في كتابه "أصل الأنواع" الذي صدر في منتصف القرن التاسع عشر وقال فيه بتطور أنواع الأحياء بآليات افترضها مضمونها الصدفة, وخالفته الكشوف العلمية لاحقا فغير أنصاره الملامح تحت اسم الداروينية الجديدة مع استمرار الحفاظ على مضمون الصدفة, ويفترض سؤال اتفاق علماء الطبيعة عليها ابتداء فيقول: (هل هناك اتّفاق بين المختصين في العلوم وبين علماء الإسلام في مسألة أصل الإنسان؟), ولكن لم يتفق المختصون عليها بحيث يصادم علماء الإسلام الواقع إذا خالفوهم, ومستعينا بالله تعالى أوجز القول في ضوء ثوابت علم الأحياء Biologyوعلم تاريخ الإنسان Anthropologyمبينا أن النقطة الجوهرية هي رفض فلسفة الحدوث ذاتيا صدفة مهما كانت كيفيات تقدير الخلق وفق ما يكشفها العلم, وأن تدرج التنويع ليس بالضرورة تطورًا, وذلك في النقاط التالية:

    (1) معجزة التنويع في الخلق:









    هل تصدق أن هذا البيت المنظم الأثاث بنى نفسه ورتب الأثاث نفسه صدفة!!


    أعلن مِندل عن اكتشاف قوانين الوراثة عام 1865 فمهد لولادة علم الوراثة Geneticsفي أوائل القرن العشرين, وقبل نشوء علم الوراثة ومعرفة دور الجينات في الحفاظ على صفات النوع وراثيًا رأي لامارك Lamarckعام 1809 أن أفراد الكائنات الحية تنقل السمات التي اكتسبتها في حياتها إلى الأبناء، فالزرافة مثلا تطورت عن طريق إطالة أعناقها شيئاً فشيئاً عندما كانت تحاول الوصول إلى الأغصان الأعلى، ولم يدرك دارون كذلك آلية الحفاظ على توريث صفات النوع وإن تنوعت الأفراد فافترض تغيره ذاتيا صدفة لأسباب خارجية عزاها إلى الطبيعة, ولكنها لا تمتلك إرادة واعية لتقرر ما ينفع وتنسق العمل بين الأعضاء وبين الذكر والأنثى فلا بد إذن من قوة عليا مدبرة, ومن المسلمات عند العقلاء أن البيت المرتب الأثاث لا يبني نفسه وينظم أثاثه ذاتيا وأنه لا بد من إرادة واعية بنته ورتبته, ولكن الفلسفة المادية Materialismأفرزت نظرية التطور عام 1859 مخالفة أبسط المسلمات عندما افترضت أن الفوضى Chaos يمكن أن تصنع نظاما وأن الترتيب يوجد ذاتيا صدفة, فجوهرها في تفسير معجزة تنوع الأحياء هو إبداعات الصدفة ولذا من الأولى كشف القناع بتسميتها "نظرية الصدفة", ولكن أدى اكتشاف تركيب الحمض النوويDNA البالغ التعقيد ليحافظ على سمات أسلاف كل نوع ويورثها للنسل إلى نقض قواعد نظرية دارون من الأساس, ومع ذلك استمر ترويجها مما يعكس غرضا عقائديا أكثر من كونها اهتمامات علمية بحتة.

    وتدّعي الداروينية Darwinism أن الحياة بدأت بخلية تكونت صدفة من مركبات غير عضوية في ظروف أولية للأرض, ولكن لم ينجح أبداً أي شخص في تكوين تركيب خلوي واحد من مواد بسيطة ولا حتى في أكثر المختبرات تطوراً, والخلية أكثر تعقيدا وروعة في أداء وظائف الحياة مما كان يظن دارون في القرن التاسع عشر فهي تحتوي على محطات لتوليد الطاقة ومصانعَ مدهشة لإنتاج الإنزيمات والهرمونات اللازمة للحياة ونظم نقلٍ وخطوطَ أنابيب معقدة لنقل المواد الخام والمنتجات ومختبرات بارعة ومحطات تكرير تحلل المواد الخام إلى أجزائها الأبسط وبروتينات حراسة متخصصة تغلف أغشية الخلية لمراقبة المواد الداخلة والخارجة وبرنامج بالمعلومات الضرورية لتنسيق الأعمال في وقتها, فهل يُبني هذا كله ذاتيا صدفة!.

    وقد رأى البعض بحساب الاحتمالات أنه أيسر لقرد يعبث بمفاتيح آلة كاتبة أن يصنع قصيدة صدفة من صنع بروتين واحد صدفة فما بالك بالنظام والتخطيط والتصميم البديع الذي نراه في كل الكائنات الحية وجميع التكوينات في الكون أجمعه, ووفق الموسوعة العلمية البريطانية فإن اختيار كل الأحماض الأمينية Amino Acidsوهي أساس تكوين البروتينات لتكون عسراء الاتجاه صدفة بلا تدخل واع أشبه بقذف عملة معدنية في الهواء مليون مرة والحصول دائماً على نفس الوجه!, ونشأة خلية حية واحدة من ذاتها يعد احتمالا مستحيلا مثل احتمال قيام القرد بكتابة تاريخ البشرية كله على آلة كاتبة بلا أخطاء, ويعني هذا أن خلية حية واحدة تتحدى مقولة الصدفة, وقد بين السير فِرِِد هويل Sir Fred Hoyle في مقالة نشرت عام 1981 أن احتمال ظهور أشكال الحياة صدفة يقارن بفرصة قيام سيل يمر بساحة خردة بتجميع طائرة بوينج 747 صالحة للطيران, والنتيجة التي يقود إليها العلم والمنطق وليس الإيمان فحسب هي أن كل الكائنات الحية قد جاءت بتخطيط واعي وقصد أكيد, ومن يظل معتقدا في عصرنا بالفلسفة المادية بعدما دحضها العلم في مجالات علمية شتى عليه ألا يحسب نفسه من المحققين, قال ماكس بلانك: "ينبغي على كل من يدرس العلم بجدية أن يقرأ العبارة الآتية على باب محراب العلم: (تَحلَّى بالإيمان)", وقال الدكتور مايكل بيهي: "على مدى الأربعين سنة الماضية اكتشف علم الكيمياء الحيوية.. أسرار الخلية، وقد استلزم ذلك من عشرات الآلاف من الأشخاص تكريس أفضل سنوات حياتهم.. وقد تجسدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة.. لدراسة الخلية.. في صرخة عالية واضحة حادة تقول: التصميم المبدع! والتصميم الذكي المبدع يؤدي حتماً إلى التسليم بوجود الله"*.

    والتبصر في الأسماك والنباتات والحشرات والطيور وحيوانات البر وهي غافلة عنه يعني وجود توجيه وقصد لم تفرضه ضرورة وإنما أملته إرادة عليا تعلم بكل شيء فأعدت للحدث قبل وقوعه, فأقدام البط تمتلك غشاء منذ خروجه من البيض وليس وليد محاولة العوم, والثدي يمتلئ بلبن سميك Colostrum قبيل ولادة الجنين وكأنه على علم مسبق بموعد الولادة, ولا يقل التصميم الذكي في خلية أميبا عن التصميم في خلق فيل فهي تقوم على ضآلتها بنفس الوظائف؛ بل كلما دقت الصنعة اتضح الإبداع وتجلى الإعجاز, فلا يهم إذن هل هو تطوير أم تنويع طالما أدرك النبيه التوجيه والقصد, فهل طال أنف الفيل تطويرا أم تنويعا ليصنع خرطوم كبير قادر على مسك الأشياء!, وهل اختارت بطانة المعدة إفراز حامض ليهضم الغذاء قبل أن تمتصه الأمعاء!, وهل طورت الشجرة نفسها لتسقط الأوراق قبل فصل الشتاء فتحافظ على الغذاء أم هو التقدير والقصد!, وقد وصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة بقوله: "تعرض دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود.. (ولكني الآن) لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله.. الآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق وليس الخبط العشوائي غير المقصود", وطريق معرفة آلية التنويع هو البحث العلمي, ولكن بدء النشأة وتجددها في الأحياء والوظائف المحددة لكل تركيب خلوي وانسجام كل عضو مع مثيله وتناسب كل زوج مع بيئته ونظيره هو عند النابهين دليل أكيد على الخلق والتوجيه مهما كانت الكيفيات, وهذا ما يعلنه القرآن الكريم ولا يصعب إدراكه حتى على البسطاء: "سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ. الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ. وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ" الأعلى 1-3.

    وتحت ضغط الحقيقة أقرت مصطلحات علمية مبدأ الخلق مثل التصميم الذكي Intelligent Design والكون الذكي Intelligent universe والتطور المبرمج Programmed Evolution والتطور الموجه بوعي Rational Directed Evolution وكلها تفصح عن تنظيم وتوجيه بلا فوضى وإنما تقدير Predestinationفتعلن أن العلم يقود للإيمان, قال الفيزيائي هاوكنج Hawking: "ليس كل تاريخ العلم إلا التحقق التدريجي من أن الأحداث لم تقع بطريقة اعتباطية بل تعكس ترتيب ونظام ضمني أكيد"(1), وقال: "طالما أن للكون بداية (واحدة أكيدة) فحتما لا بد من خالق (واحد)"(2), وقال الشيخ جوهري: "هذا النظام الجميل شاهد عدل على إله نظمه بعلمه وأحكمه بقدرته فإن هذا العالم المشاهد لا يمكن أن يصدر إلا عن إرادة لأن المادة عمياء جاهلة والجاهل لا يعطي علما"(3), والقرآن الكريم يدعو لتأمل تلك الحقيقة وراء الخلق: "أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمّ اللّهُ يُنشِىءُ النّشْأَةَ الاَخِرَةَ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" العنكبوت 19و20.

    (2) لطمات في تاريخ الداروينية:

    دلت أقدم المتحجرات Fossils التي بلغ عمرها حوالي 600 مليون سنة على أن الحياة ظهرت بأشكال عديدة فجأة حتى وصف ظهورها بالانفجار Explosion, وظهرت بهيئات بسيطة أولا من اللافقاريات Invertebratesولكنها معقدة التركيب ابتداء بحيث امتلك بعضها عيون ذات عدسات كالفقاريات Vertebrates, ولا يعلم أحد حتى اليوم على وجه اليقين كيف ظهرت هذه الأنماط المعقدة دون أسلاف سابقة انحدرت منها, ومع هذا التنويع الهائل لا يمكن تفسير نشأة أشكال الحياة إلا بخطوات مقررة مسبقا في سجل خطة الخلق محددة الخطوات عند نشأة الكون نفسه بلا سبق مادة منذ نحو: 10-15 بليون سنة.

    وطبقا للداروينية تكونت للأسماك أقدام بدل الزعانف وخرجت للبر لتكون البرمائيات ثم الزواحف ثم الطيور والثدييات, ولكن الفك السفلي للثدييات يتكون من عظمة أما في الزواحف فتوجد ثلاث عظام صغيرة على جانبي الفك السفلي, وكل الثدييات لديها ثلاث عظام في أذنها الوسطى هي المطرقة والسندان والرِّكاب بينما توجد عظمة واحدة في الأذن الوسطى لدى كل الزواحف, فإذا كان عدد العظام مقياسا للتطور فأيهما أكثر تطورا: ذوات العظام الثلاثة أم العظمة الواحدة أم أن الكل مؤهل في أقصى درجات الكمال بما يناسبه والتسلسل في ظهور الكائنات وانقراضها ما هو إلا تجدد في الإبداع بروعة مذهلة!.

    وقد تنبأ دارون قائلا: "إذا كانت نظريتي صحيحة فمن المؤكد أن هناك أنواعاً وسيطة لا حصر لها.. ولا يمكن أن تتوفر أدلة على وجودها في الماضي إلا بين بقايا المتحجرات", ومنذ القرن التاسع عشر يبحث أنصاره عن حلقة مفقودة بلا جدوى فتسببوا دون قصد في تكذيب نبوءته وإن ملئوا الساحة برسوم ظنية وأفلام خيالية للتأثير على العامة ولكنها تفتقر لأدلة علمية, فالمشكلة الأساسية في إثبات الداروينية تكمن في سجل المتحجرات نفسه فلم يكتشف قط أية آثار للحلقات الوسيطة بين الأنواع وعوضاً عن ذلك تظهر أجناس وتختفي أخرى, وقد اكتشفت متحجرة سمكية لها ما يشبه الرئة البدائية قدر عمرها بحوالي 410 مليون سنة سموها كولاكانث Coelacanthوافترض أنها الحلقة الوسيطة بين الأسماك والبرمائيات, ولكن في 22 ديسمبر عام 1938 اصطيدت من المحيط الهندي أول سمكة حية من نفس النوع فتبين أنها لا تعيش قريبا من السطح لتغزو اليابسة وإنما على عمق لا يقل عن 180 مترا وأن ما حيك حولها من وجود رئة بدائية لجعلها حلقة وسيطة مجرد افتراء.

    ويشكل تركيب الطيور خاصة الأجنحة ذات الريش والعظام الخفيفة عائقا كبيراً لفرضية دارون, فمن غير الممكن أن تكون قد تشكلت جميع تركيبات الطيور المطلوبة للطيران على انفراد تدريجياً هكذا صدفة عن طريق تراكم تغييرات موجهة في الإتجاه الصحيح دوما, وافترضت الحلقة الوسيطة بعد ظهور الديناصورات مع العثور على بقايا متحجرة لما يشبه ديناصور صغير له أجنحة سموه الأركيوبتركچ Archaeopteryxيشتبه عدم نمو عظمة القص عنده وبالتالي عضلات صدره بما يكفى للطيران، ومع اكتشاف متحجرة عام 1992 تبين أنه ليس إلا طائرا منقرضا من ذوي الأسنان بعظمة قص عادية وريش وهو من ذوات الدم الحار بعكس الديناصور الذي يخلو بعضه من الأسنان, ومثله في وجود مخالب الأجنحة للتمسك بالأشجار كمثل بعض الطيور اليوم مثل طائر التاووراكو Taouraco وطائر الهواتزن Hoatzin، واكتشفت في الصين عام 1995 متحجرة لطائر معاصر له بلا أسنان سموه كونفوشيوسورنيس Confuciusornis مما ينفي أن الأسنان بالضرورة سمة للزواحف*, والخفاش يطير كذلك وهو حيوان ثديي ينتمي إلى فصيلة تختلف كل الاختلاف عن فصيلة الطيور, والحوت يسبح مع الأسماك وهو أيضا حيوان ثديي يختلف عن الأسماك, ولا سبيل لتفسير هذا التنوع البديع المعجز إلا القدرة المبدعة الخلاقة التي أتقنت كل شيء.

    وكانت الضربة القاصمة للداروينية مع اكتشاف توريث صفات Traitsكل نوع بما يحفظ خصائصه, وفي محاولة يائسة افترضت عام 1941 الطفرة Mutation ضمن النظرية التركيبية الحديثة للتطور The Modern Synthetic Evolution Theory, وسميت فرضية التطور البطيء التدريجي نتيجة تراكم تغييرات جينية باسم "الدارونية الجديدة New Darwinism", ولكن ثبت أن الطفرة لم تأت بكائن جديد وإنما بمسخ عقيم إذا لم تكتف بتخريب وظائف الجينات في الحامض النووي الذي يحفظ الصفات, وقد باءت كل المحاولات بفشل ذريع حتى في الإتيان بميزة نافعة واحدة جديدة, فأُدخلت الطفرات على ذبابة الفاكهةDrosophila جيلاً بعد جيل لأكثر من خمسين سنة فلم ينتج سوى التشوهات ولم تخرج ذبابة واحدة قط بصفة واحدة جديدة محمودة، وأما نتيجة إحداث الطفرات على الإنسان فالمثال الحي ما حدث للسكان الأبرياء في هيروشيما وناجازاكي عام 1945 حيث لم يكتسب ناج بعد إلقاء القنبلتين النوويتين أي صفة وراثية محمودة سوى التشوهات التي طالت الأجنة في بطون الأمهات وإصابة مختلف الأعمار بالسرطان, وفوق ذلك لم يعثر على أي من الأشكال الانتقالية التي من المفترض أن تدعم التطور التدريجي, وكشف التشريح المقارن كذلك أن الأنواع التي يفترض أنها تطورت بعضها من بعض تتسم بسمات تشريحية بعيدة الاختلاف مما يستبعد الانتقال التدريجي, ولذا استبدل بفرضية التطور بقفزات كبيرة متفرقة في بداية السبعينيات.

    فاقترح بعضهم على سبيل المثال أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كطفرة هائلة؛ أي نتيجة صدفة ضخمة حدثت في التركيب الجيني, ولكن الطفرات لا تؤدي سوى إلى تلف المعلومات الوراثية ومن ثم فإن الطفرات الكبيرة لن ينتج عنها إلا تلفيات كبيرة، ولكن هل نشأت الحياة ذاتها كطفرة فجائية كبيرة! وهل نشأ الكون ذاته كذلك كطفرة ضخمة!, ومضمون الداروينية الجديدة تراكم طفرات عشوائية في التركيب الجيني تدريجيا أو فجائيا ويتم انتقاء سمات أنفع بآلية الانتقاء الطبيعي كأساس للتطور!, ولكنها بوجهيها كالدارونية القديمة تماما لم تكن نظرية علمية أبداً بل كانت مبدأ فلسفي يروج للإلحاد بخفاء حذر, ولو صح الانتقال التدريجي أو الفجائي في نشأة الأنواع فلن يكون ذلك مصادفة بل كعمليات خلق موجهة بوعي.

    (3) التزوير في تاريخ الداروينية:

    يقوم الداروينيون بإعادة البناء بالرسوم أو النماذج استناداً إلى بقايا المتحجرات باستخدام التخمين، ويمكنك أن تشكل من جمجمة نموذجا بملامح شمبانزي أو بقسمات فيلسوف ولذا لا تحظى بأي قيمة علمية وإن ضللت العامة, وتعد الرسوم الثلاثة المختلفة لمتحجرة القرد الأفريقي الجنوبي القوي )Australopithecus robustus( Zinjanthropus مثالاً شهيراً لمثل هذا التزييف.






    ومع ذلك فإن هذه الحيل تبدو بريئة إذا ما قورنت بأعمال التزييف المتعمدة التي ارتكبت في تاريخ الداروينية, فلا يوجد دليل حفري موثوق على وجود حلقة وسيطة بين الإنسان وأقرب الثدييات شبها, فادعى تشارلز داوسون عام 1912 الحلقة المفقودة بعثوره على جزء من جمجمة وعظمة فك داخل حفرة في بيلتداون بإنكلترا فسماه إنسان بِلتْداون Piltdown Man, وعرضت العينة في المتحف البريطاني بزعم أن عمرها خمسمائة ألف سنة وكُتب عنهما ما لا يقل عن خمسمائة رسالة دكتوراه، ولم تكتشف الخدعة إلا عام 1949 عندما اختبر المتحف عمرها بطريقة الفلورين فتبين أن الجمجمة عمرها نحو خمسمائة سنة والفك حديث العهد يرجع لقرد والأدوات الحجرية الموضوعة معهما مقلَّدة فأعلنت الفضيحة عام 1953 على الجمهور.



    وفي عام 1922 أعلن مدير المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي عن عثوره على ضرس متحجرة في نبراسكا يحمل صفات مشتركة بين الإنسان والقرد، فسماه البعض إنسان نبراسكا كما أُعطي له في الحال اسماً معقدا صعب النطق حتى يضفي نوعا من العلمية هو هسبيروبايثيكوس هارولدكوكي Hesperopithecus Haroldcooki, واستناداً إلى الضرس الأوحد رُسمت الرأس وأعيد بناء الجسد تخمينا بل تم رسمه مع زوجته, ولكن في عام 1927 عُثر على أجزاء أخرى من نفس الهيكل العظمي وتبين أن ذلك الضرس الأوحد يخص نوعاً منقرضاً من الخنازير البرية يسمى بروثينوبس Prosthennops.

    وشجرة عائلة الإنسان المزعومة تمتد إلى القرد الأفريقي الجنوبي Australopithecus, ومنه نشأ الإنسان مستخدم الأدوات Homo habilisثم الإنسان منتصب القامة Homo erectus, وأخيرا ظهر الإنسان العاقل Homo sapiens, وأما التصورات الحديثة

    بنشأة الإنسان في غير أفريقيا أو أنه عاش بجانب القرد الأفريقي فهي دليل على التخبط, والطريقة التي تتحرك بها القردة أسهل وأسرع وأكفأ من مشية الإنسان على قدمين فهو لا يستطيع أن يتحرك بالقفز بين الأشجار, ووفقاً لمنطق نظرية التطور كان حرياً به من هذا الجانب أن يتطور ليصبح من ذوات الأربع, وتبلغ أنواع القردة أكثر من ستة آلاف نوع لم يتبق منها اليوم سوى حوالي مئة وعشرين نوعاً فقط وتمثل البقية المنقرضة مصدراً ثرياً لتزييف الحقائق, والمتحجرات التي يدّعى أنها أسلاف للإنسان فإنها إما تخص قرودا منقرضة أو تخص أجناساً بشرية قديمة عاشت حتى فترة قريبة ولها نفس الهيئة والصفات الجسدية لبعض المجتمعات البشرية اليوم, وفي البحث الحديث الذي أجري في عام 1994 حول قنوات التوازن في الأذن الداخلية تم تصنيف القرد الجنوبي والإنسان مستخدم الأدوات ضمن فئة القردة بينما صُنّف الإنسان منتصب القامة ضمن فئة البشر, وأشهر العينات المكتشفة في أفريقيا ونسبت زورا للإنسان منتصب القامة هي


    تلك التي عُثر عليها قرب بحيرة توركانا في كينيا ثم تبين لاحقا أنها لغلام في الثانية عشر من عمره لذا سميت متحجرة غلام توركانا Turkana Boy, وما سموه بالنياندرتاليين Neanderthalsهم جنس بشرى قد أثبتت الكشوف أنهم كانوا يدفنون موتاهم ويصنعون الآلات الموسيقية, وإذا كانت سعة الجمجمة معيارا للذكاء فالإنسان الكرومانيوني Cro-Magnon أكثر ذكاء من الإنسان حاليا لأن سعة جمجمته أكبر*.

    (4) فلسفة استعمارية:

    افترض داروين صراع قاس من أجل البقاء في الطبيعة تزول معه أشكال ضعيفة لم تتكيف مع بيئتها تتولد ذاتيا دوما وتبقى أخرى نجحت الصدفة في إبداعها بطريقة أحكم, وبذلك يكون التطور سلسلة من المنتخبات تميزت فيها الأنواع عبر حلقات وسيطة عديدة, ولذا كان العنوان الكامل لكتابه الأول الذي نشر عام 1859 واشتهر باسم "أصل الأنواع" هو: "أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي أو الحفاظ على الأجناس المفضلة في الصراع من أجل الحياة The Origin of Species by Means of Natural Selection or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for life", ولكن علم الأحافير قد قدم ضربات أليمة لفرضية دارون فقد استنفذ الجهد ولم يعثر على أي حلقة وسيطة قط وفعل علم الأحياء نفس الشيء ولم يعثر على كائن واحد قط من أصغر خلية إلى أكبر حيوان غير متكيف مع بيئته تشريحيا ووظيفيا وسلوكيا.

    وفي كتابه الثاني "سلالة الإنسان The Descent of Man" قدم دارون عام 1871 مزاعم حول تطور الإنسان من كائنات شبيهة بالقرود, فبدأ البحث والتنقيب ليس عن متحجرات فحسب بل عن سلالات بشرية حية تمثل الحلقات الوسيطة, فقام أحدهم عام 1904 في الكونغو باصطياد رجل أفريقي متزوج ولديه طفلين، وبعد تقييده بالسلاسل ووضعه في قفص كالحيوان نُقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم عرضه على الجمهور في إحدى حدائق الحيوان تصحبه بعض القردة بوصفه أقرب حلقة انتقالية للإنسان الغربي الأبيض, وأخيرا انتحر الرجل المسالم الذي كان يسمى بلغته المحلية أوتا بينجا Ota Benga بمعنى: الصديق*, وليس من قبيل الصدفة أن يُكتب في بروتوكولات حكماء صهيون العبارة التالية: "لاحظوا هنا أن نجاح دارون Darwin.. قد رتبناه من قبل والأمر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي (غير اليهودي) سيكون واضحاً لنا على التأكيد"(4), والزعم بصراع حضارات الأجناس البشرية ليس إلا غرضا استعماريا يتخفى بعباءة علمية زائفة ومضمونه تمييز عنصري, وهو جد الزعم بالإنسان الأمثل Superman سليل الإنسان الغربي الأبيض الذي يسود وتنقرض بقية الشعوب أو تصبح له عبيد, وما زالت البشرية تدفع ثمنا باهظا نتيجة لهذه الأفكار الزائفة التي جعلت دولا معاصرة تمارس همجية الغاب بادعاءات كاذبة.

    (5) رأي الكنيسة:

    اعتمادا على سفر التكوينgeneses رفضت الكنيسة الداروينية ليس لسبب تجاهل تدبير الله فحسب وإنما لمصادمة نصوص يستحيل حملها على التطور تدل على أن آدم هو اسم أول إنسان على الأرض وأنه خلق مباشرة من ترابها بلا أطوار تسبقه: "وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حيّة" تكوين 7, وأنه فقد ضلعا خُلقت منه امرأته مباشرة: "فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم" تكوين 21و22, ولذا اختارت الكنيسة رفض التطور بحزم وإلا شككت في صحة التدوين.

    (6) رأي الباحثين المسلمين:

    رفض جُل الباحثين المسلمين الداروينية إجمالا باعتبارها أحد شباك الإلحاد كما يُرفض الطعام كله إذا خالطه سم, قال الدكتور أحمد أبو خطوة: "نحن كمسلمين لا نتفق إجمالا مع نظرية التطور إن لم تُدخل في اعتبارها القدرة والمشيئة الإلهية" (5), واكتفى البعض برفض الصدفة وتوقفوا في إمكان الأطوار المقدرة كتفسير للتنويع الهائل في أشكال الكائنات الحية على الأرض, فوافقوا نظريات حديثة تجعل التقدير أساسا للتطور إن صح كمقولة التطور الموجه بوعي Rational Directed Evolution وتجنبوا الخوض فيما لم يفصل فيه العلم بعد؛ فقد جاء في فتاوى الأزهر: "ورد أن اللّه خلق الإنسان نوعا مستقلا لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر، وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلي الذي يدخل تحت قدرة اللّه تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد فى النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تراب دفعة واحدة أو بتكوين متمهل على انفراد فسبيل ذلك التوقف وعدم الجزم بأحد الأمرين حتى يقوم الدليل القاطع عليه فنعتقده ما دام أن الذي فعل ذلك كله هو الله تعالى, ثم إن النواميس المذكورة فى مذهب داروين ظواهر واضحة في الكون ولا حرج في اعتقادها ما دام أن الله هو الذي خلقها ووجهها فهي لا تحقق وجودها من نفسها: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ} الأنعام 102، فهو خالق المادة والنواميس"(6), "(ولكن) قولهم إن المخلوقات خُلقت عشوائيا بغير تدبير سابق وعلم محكم يرده قول اللّه سبحانه {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}القمر 49"(7).

    وقال الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم: "يقرر العلم الحديث أن الحياة ظهرت على هذه الأرض أول ما ظهرت على شواطئ المسطحات المائية حيث يتكون بجوارها الطين الذي نشأ منه.. النبات فالحيوان فالإنسان وأن هذا التطور في حالات الطين وأشكاله.. حدثت عبر ملايين السنين حتى أثمرت.. وكان أكمل وأكرم ثمره من ثمارها في النهاية هو الإنسان, والقرآن الكريم لم يبين لنا كيف تفرعت هذه الشجرة حتى كان الإنسان أحد فروعها ولكنه أشار في أكثر من آية إلى الصلة الوثيقة بين الإنسان وعالم الأحياء الناشئ من الماء الممزوج بالتراب, ففي قوله تعالى: "وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ" النور 45, وقوله سبحانه: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ" الأنبياء 30؛ دلالة قوية على أن الأحياء كلها ومنها الإنسان مخلوقة من مادة واحدة هي الماء"(8),

    وقال سيد قطب: "شطر الآية.. "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ"الأنبياء 30؛.. يقرر.. حقيقة.. أن الماء هو مهد الحياة الأول.. وأقصى ما يُقال.. إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات"(9).

    وساق البعض نقولا عن علماء مسلمين تصرح بأن التدريج مع التنويع وتطور الأشكال ظاهرة واضحة في الكون ولا تُعارض أن الله تعالى هو المدبر وإنما تُبين كيف بدأ الخلق, فغاية الوجود معرفة الله وعبادته ولذا كانت الوجهة منذ خلق الكون والأرض هي إيجاد الإنسان صاحب الفكر ليقوم بالمهمة, والتطوير دليل على التقدير وإلا ما كانت الوجهة دائما نحو الأرقى, قال ابن خلدون: "أنظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج, آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف.., ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر"(10), وقال البروسوي: "يكون الإنسان في زمرة الجمادات وأول نعمة عليه أن الله تعالى كرمه فنقله من عالم الجماد إلى عالم النبات ثم عظم شأنه فنقله من عالم النبات إلى عالم الحيوان فجعله حساسا متحركا بالإرادة ثم نقله إلى عالم الإنسان فجعله ناطقا وهى نعمة أخرى أعظم مما سبق"(11), وفي تفسير الميزان: "العناية الإلهية تهدي أنواع النبات والحيوان إلى كمال خلقها وغاية وجودها"(12).

    ولكن علماء الإسلام لم يستخدموا كلمة التطور Evolutionعلى نحو ما تعنيه في الداروينية وإنما بمعنى الترقي المتدرج في التنويع بيانا لوحدانية الله تعالى وقدرته, فوحدة الخلق في الأصل والطبيعة دليل على وحدانيته وطيف التدرج الواسع في التنويع دليل على قدرته تعالى, قال جوهري: "سنة التطور والارتقاء .. تجري عليها الطبيعة في جميع أركانها من الذرة.. إلى النظام الشمسي"(13), و"سنة الكون الترقي من أسفل إلى أعلى"(14).. "لا يُخلق الأعلى إلا بعد خلق الأدنى فلم يُخلق الحيوان إلا بعد خلق النبات ولم يُخلق الإنسان إلا بعد خلق الحيوان", ولكن "شعار الكون هو ذا: الوحدة في التفنن, فإن صعدت في سلم العوالم وجدت وحدة النظام والخلقة مع تفنن لا يعرف حده في تلك الأجرام الفلكية, وإن أجلت بنظرك في مراتب الحياة من (أدنى) الكائنات إلى أعلاها وجدت وحدة التناسب والتسلسل, كذلك القوى الطبيعية كلها صادرة بالتسلسل عن قوة أصلية واحدة"(15), وقد "خلق اللهُ العالم من مادة واحدة ليستدلوا على (وحدانيته) وقدرته"(16), وفي بيان الحكمة وراء خلق الجنين الإنساني في أطوار قال ابن عاشور: "التطور هو مقتضى الحكمة وهي من شؤون العلم وإبرازُه على أحكم وجه هو من أثر القدرة" , و"الأطوار دالة على حكمة الخالق وعلمه وقدرته فإن تطور الخلق.. والذاتُ واحدة.. دليل على تمكن الخالق من كيفيات الخلق والتبديل في الأطوار"(18),وقال سيد قطب: "ليس هناك ما يمنع من وجود أنواع من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة, ولكن هذا لا يحتم أن يكون بعضها متطوراً من بعض"(19).

    وتجنب آخرون المأثور وسلكوا مسلك التأويل على وجه غير شائع في التفسير بغير جزم, فقالوا مثلا: الزواحف تمشي غالبا على بطنها كالتمساح لثقله وتمشي الطيور على رجلين والثدييات على أربع؛ فإذا كان هذا هو ترتيب خلق أنواع الحيوان قبل الإنسان فهو نفس الترتيب مع بيان وحدة الأصل في قوله تعالى: "وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ فَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَآءُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" النور 45, ولم يقل القرآن بأن الطين أصل مباشر للإنسان بل جعله بداية فحسب: "الّذِيَ أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ"السجدة 7، ولم يعتمد القرآن رواية الضلع المفقود وإنما أفاد اصطفاء آدم كالأنبياء من بين أقوامهم وبقية الأجناس مما يحتمل أنه نبي جد رأس أمة: "إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ" آل عمران 33, وفي قوله تعالى: "إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" آل عمران 59؛ قد يقال أن عيسى كآدم وكانت نشأته مباشرة فكذلك يجب أن تكون نشأة آدم من التراب مباشرة, ولكن لا توجد دلالة صريحة على خلق آدم فجأة وإنما المقام بيان للاقتدار فالمثلية في الاقتدار وظاهر المعنى أن الذي قدر على إيجاد آدم من تراب رغم الفرق الشاسع بينهما أهون عليه خلق عيسى نظيره بلا أب, وتقدير خلق آدم أطوارا يعمق الفرق ويبين القصد ويجلي الاقتدار, والقول بخلق الإنسان أطوارا يفيد أن خلقه هو المقصود على طول أطوار خلق العالم, ولذا يرجعه القرآن عند التفصيل إلى صلصال أو طين لازب, وفي قوله تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ" الحجر 26؛ الحمأ المسنون أشبه ما يكون بصخر ناري طحنته السنون وكلها أحوال مرت بها الأرض, وعندما يحدثك القرآن قائلا: "خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ"العلق 2؛ فلا يعني خلق الجنين مباشرة مما يماثل علق البرك وكذلك النوع, وقوله تعالى: "خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ" الأنبياء 37؛ يرجع الإنسان للحالة الأولى للكون حيث لم تكن مادة وإنما موجة أو اهتزازة تتردد في عجل كتعبير عن الشيء بلازمه, والمقام يتعلق بمادة خَلقه وطبيعته بعكس السائد أنه وصف لخُلُقه وطبعه نحو قوله تعالى: "وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً" الإسراء 11, ولكن الفيزياء نجحت بالفعل في إثبات توحد معظم القوى وتسعى جاهدة لإثبات توحدها جميعا في حالة سميت بالتوحد الكبير super unification أساسها قوة واحدة سميت بالقوة الكبرى Super Forceقد نشأت منها كل القوى والمواد وتطورت أشكال الذرات والمجرات وأخيرا ظهر الإنسان, وفي قوله تعالى "مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً" نوح 13و14؛ قالوا: لا قيد يخصص الوصف بأطوار الجنين وظاهره مجموع النوع الإنساني منذ كان نباتا خاصة مع الاستطراد بعده بآيتين: "وَاللّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرْضِ نَبَاتاً" نوح 17, قال الجاعوني: "الكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه واستعارة.. (و)استدلّ بها (الشيخ الوائلي) على أنها قد تشير إلى خلق الإنسان التدريجي من طور إلى آخر.. (وقال) هذه النظريّة أي تطوّر النبات إلى حيوان ثمّ إلى إنسان.. إذا قلنا.. عفوًا (أي ذاتيا صدفة؛ فهي) مرفوضة من أساسها.. (لأنه) لا شيء عفوًا بل بإرادة الله, (و)إذا قلنا.. (بتقدير) الخالق.. لا عفوًا فلا ضير من ذلك"(20), ومجمل القول أنه لو ظهر يوما ما بمعزل عن الداروينية دليل يرجح التطور بتقدير الله فالإسلام لا يصادم حقيقة مطلقًا أما اليوم فالدليل مفقود, والاستنصار لنشأة الإنسان خاصة من الحيوان بلا دليل علمي يؤيد تحوله ولا قرينة صارفة لظواهر المأثور سيظل كذلك ادعاء محل شك, ويسبق القرآن في بيان أول حالة للكون دليلا على الوحي وتأكيدا لخلق الإنسان بتقدير وقصد مهما كانت الكيفيات كحلقة متميزة من جملة حلقات موجهة بوعي منذ البدء؛ وذلك وفي قوله تعالى: "خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ" الأنبياء 37.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

    مبرووووك للعالميين ويستاهلون كل خير الف الف مبرووك

  3. #33
    عضو خمس نجووم (طرطيعة) أستاذ نصب مشارك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    نصب حيث تكثر السوالف
    المشاركات
    7,040
    معدل تقييم المستوى
    0
    Array
    انتشر الاسلام بشكل كبيير بالعالم والحمد لله بالذات بين الاوروبيين

    بروفيسور كندي يشهر إسلامه ويقول: كلما ازددت معرفة بالدين ازددت تعلقا به


    Friday, 30 March 2012 08:08

    أعلن بروفيسور كندي يعمل أستاذاً للغة الإنجليزية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة إسلامه أمس في مقر الندوة العالمية للشباب الإسلامي في جدة، ونطق بالشهادتين أمام نائب مدير إدارة البرامج الدعوية في الندوة الشيخ عبد الإله العجلان.



    ووفق "الاقتصادية" قال البروفيسور الكندي ديفيد روي وولكيالذي غير اسمه الى ''داود'' ان اعتناقه للإسلام جاء عن قناعة تامة وبعد دراسة وتعرّف على هذا الدين القيّم.



    وعن سبب إسلامه، قال إنه كان كثير التردد على الكنيسة في بلاده، ولاحظ أن المقارنة التي تعقَد بين المسيحية والإسلام تركز على وجود اختلاف كبير بينهما، كما أن وسائل الإعلام الغربية رسمت صورة مشوهة عن الإسلام.



    وعليه: ''قررت أن أدرس الإسلام من ناحية ثقافية فقط، ولأقف بنفسي على حقيقة هذا الدين، ولإيجاد التشابه بينه وبين المسيحية وبدأت أدرس الإسلام، وبعد دراستي للإسلام قررت قطع صلتي بالمسيحية''.



    وأضاف: ''عندما أتيت للمملكة العربية السعودية شاهدت صورة مغايرة جداً للصورة المشوّهة التي رسمها الإعلام الغربي عن الإسلام، فقررت زيادة معرفتي بهذا الدين، كما لاحظت أن كثيراً من أصدقائي المسلمين يتمنون دخولي في الإسلام''.

    وقال: ''لاحظت أنني كلما ازددت معرفةً بالإسلام ازددت تعلقاً به، وفي النهاية وجدت نفسي مقتنعاً بهذا الدين ومطمئناً له فقررت اعتناقه''.





 

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

كيف نيوز